السيد عباس علي الموسوي
95
شرح نهج البلاغة
فيما نهاه عنه ، وأعلمه أنّ في الإقدام عليه التّعرّض لمعصيته ، والمخاطرة بمنزلته ، فأقدم على ما نهاه عنه - موافاة لسابقه علمه - فأهبطه بعد التّوبة ليعمر أرضه بنسله ، وليقيم الحجّة به على عباده ، ولم يخلهم بعد أن قبضه ، ممّا يؤكّد عليهم حجّة ربوبيتّه ، ويصل بينهم وبين معرفته ، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه ، ومتحمّلي ودائع رسالاته ، قرنا فقرنا ، حتّى تمّت بنبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم - حجتّه ، وبلغ المقطع عذره ونذره . وقدّر الأرزاق فكثّرها وقلّلها ، وقسّمها على الضّيق والسّعة فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها ، وليختبر بذلك الشّكر والصّبر من غنيّها وفقيرها . ثمّ قرن بسعتها عقابيل فاقتها ، وبسلامتها طوارق آفاتها ، وبفرج أفراحها غصص أتراحها . وخلق الآجال فأطالها وقصّرها ، وقدّمها وأخّرها ، ووصل بالموت أسبابها ، وجعله خالجا لأشطانها ، وقاطعا لمرائر أقرانها . عالم السّرّ من ضمائر المضمرين ، ونجوى المتخافتين ، وخواطر رجم الظّنون ، وعقد عزيمات اليقين ، ومسارق إيماض الجفون وما ضمنته أكنان القلوب وغيابات الغيوب ، وما أصغت لاستراقه مصائخ الأسماع ، ومصائف الذّرّ ، ومشاتي الهوامّ ، ورجع الحنين من المولهات ، وهمس الأقدام ، ومنفسح الثّمرة من ولائج غلف الأكمام ، ومنقمع الوحوش من غيران الجبال وأوديتها ، ومختبإ البعوض بين سوق الأشجار